Skip to main content

مقال حول مدرستي الإخبارية (أهل الحديث) والأصولية

السلام على زائرينا المحترمين، 

وجدت مقال لجودت القزويني حول إنقسام الشيعة في إستخدام النصوص الدينية إلى إخبارية وأصولية، فأحببت أن أشاركه معكم.

  
الحركة الإخبارية وحقيقة الصراع الاصولي
 جودت القزويني

بدأت العلاقة بين مؤسسة الفقهاء، والسلطة الصفوية في عهد الشاه عباس الصفوي تنحو منحىً معقداً نظراً للنفوذ الذي يتمتع به الفقهاء، فقد اصبحت العلاقة بين المؤسستين علاقة متداخلة بحيث شكلت جانباً خفياً من الصراع كان امتداداً لصراع المؤسستين (مؤسسة الاجتهاد ومؤسسة الدولة) في العهد المبكر من قيام الدولة الصفوية. وبالرغم من ان هذا الصراع كان صراعاً عنيفاً وخفياً إلا ان مؤسسة الفقهاء استطاعت ان تثبت أقدامها، وتستحوذ على مؤسسات مهمة في الدولة كان لها دعمها الكبير في قطاع المجتمع الايراني.
وقد صاحب المزاج بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية في العهد الصفوي انتقال التشيع الاثني عشري الى مرحلة تحول حاسمة تُشير الى طبيعة موقف الاثني عشرية من الزعيم الديني، فلم يُعد ـ كما كان بالنسبة لهم منذ الغيبة الكبرى ـ الحاكم الروحي فقط، وإنما اصبح الحاكم الزمني كذلك. من هنا بدأت صلة رجال الدين بالدولة تنحو الى ضرب من التعقيد لم تزده الأيام إلا حدة(1).
وبالرغم من خطوات الشاه عباس في ابقاء الصلة بفقهاء كبار كالبهائي(2) إلاّ ان الصلة بين الزعامتين السياسية والروحية أخذت تضعف بمرور الزمن، وقد شكل ظاهرة سياسية دينية في أُخريات أيامه(3).
ان الأوضاع السياسية في ايران أخذت تستقر عند مجيء الشاه عباس الى السلطة (بعد الصراعات التي حدثت داخل الاسرة الصفوية للاستحواذ على الحكم) ـ خصوصاً بعدما عقد صُلحاً مع الدولة العثمانية عام(996 ـ 1590) الأمر الذي ساعد على ظهور نهضة علمية باهرة ازدهرت على يد فلاسفة، ومتكلمين ايرانيين كان لهم الدور الكبير في إحياء المنحى العقلي عند الاثنا عشرية، وكان على رأس هؤلاء الأمير باقر الداماد(1040/1630)، وصدر الدين الشيرازي(1050/1640).
وبدأ ثقل المدرسة الاثنا عشرية خلال هذا العهد في ايران يظهر بشكل ملحوظ بعدما أخذ دور مدرسة النجف ـ الذي ازدهر في الوقت نفسه على يد أحمد الأردبيلي ـ بالضمور.
ومن خلال الأجواء التي ولدتها الحالة الجديدة للدولة الصفوية ظهرت تيارات مختلفة (عقلية، فلسفية، سلفية، صفوية) اتحدت جميعها ضد ما تبقى من مؤسسة الفقهاء الذين لم تزل تأثيراتهم قائمة في السلطة، فقد التقى الموقف السلبي عند العقليين من الفلاسفة مع الموقف السلبي عند السلفيين، وقد أظهر صدر الدين الشيرازي ردود الفعل الفلسفي تجاه الفقهاء الذين أغرقوا أنفسهم في سياسة الدولة الصفوية، وقد نسبهم الى نقصان المعرفة، كما أوضح ان اهدافهم هي أهداف سياسية لا تتعدى أخضاع الناس لفتاواهم، وأوامرهم التسلطية(4).
ومهما يكن من أمر فان التيار العقلي لم يؤثر على السياسيين من الفقهاء بمقدار تأثير التيار السلفي الذي تزعمه فقهاء من المدرسة الاثنا عشرية نفسها.
فقد تحولت ردود الفعل تجاه تدخل الفقيه بشؤون الدولة الى تيار قويّ أثرّ على تطور مدرسة الاجتهاد ما يقارب القرنين من الزمن، واستطاع هذا التيار ان ينتشر خارج ايران، ويستحوذ على مساحة ليست بالقليلة من الساحة الشيعية.
وقد استفادت الحركة السلفية التي سُميّت فيما بعد «بالحركة الإخبارية» من الأوضاع المتناقضة في سياسة الدولة الصفوية في تعزيز مواقعها، ومحاولة حسر تيار الفقهاء الذين تمركزوا في ثقل الدولة.
ان ظهور الحرة الإخبارية وتمركزها بشكل عنيف في قلب الاحداث كان عاملاً من عوامل تقوية
__________________________________
(1) الشابي، علي، الشيعة في ايران، ص157.
(2) مرّوة، التشيع بين جبل عامل وايران، ص29.
(3) الدُجيلي، حسن، الفقهاء حُكّام على الملوك، ص47.
(4) الشيرازي، الملا صدرا، الأسفار الاربعة، ج1 (طهران، 1964)، ص 706. والجابري، ص 279.

السياسة الصفوية المتمثلة بالشاه عباس الكبير، واضعاف خصومه التقليديين من الفقهاء، لذا بدأت عوامل دعم لأقطاب هذا الاتجاه حتى ظهر الداعية الاخباري محمد أمين الاسترابادي(1033 ـ 1623) محاولاً القضاء على خط الفقهاء قضاءً تاماً، ومُبرماً.
إن حياة الاسترابادي، وان كانت غامضة إلا ان نشأته في (ايران)، وهجرته الى (العراق)، ثم استقراره في (الحجاز) تدلُّ على ان الرجل كان مدعماً بخطة هادفة من شأنها ان توقف تيار الاجتهاد (الاصولي)، وتستأصل المؤسسة الاجتهادية من الأساس.
وإن امراً مثل هذا لهو في النتيجة يخدم توجهات الصفويين أولاً، والذين باتوا في ضيق من هذه المؤسسة، والعثمانيين ثانياً الذين لم يرغبوا باستقلال المؤسسة الدينية عن قبضة السياسة الرسمية للدولة، من هنا فان حصول الانقسام داخل الكيان الاثني عشري نفسه بايجاد مؤسسة فقهية إخبارية ستكون بمثابة البديل عن المؤسسة الفقهية الاجتهادية، او المنافس لها على الأقل ـ هو في واقعه يخدم الطرفين معاً.
لذلك فقد اتخذت الحركة الاخبارية في صراعها مع المؤسسة الاجتهاد السمة العلمية، وأعدت برنامجاً تصحيحاً يتطلع للعودة الى الينابيع الأولى للفقه الاثني عشري.
وقد اتخذ الاخباريون مستنداً تأريخياً لهم بالتمسك بأخبار «المعصومين» مقابل ما انتجه المجتهدون من طريق لاستنباط الاحكام الشرعية من موارده الشرعية باستخدامهم لأدلة الاحكام التي ترجع الى (الكتاب، السنة، الاجماع، العقل).
***
بدأت جذور الحركة الاخبارية بالأتساع بعدعصر الشاه طهماسب، وبالتحديد منذ سنة(985/1577) حتى سنة(996هـ/1587)، وظهرت كتيار رافض لاعمال فقهاء السلطة الصفوية، كما ان الصراع الصفوي ـ العثماني كان سبباً في تشجيع هذا التيار، خصوصاً وان العثمانيين كانوا قد استولوا على الحجاز(1) التي أصبحت مركزاً مناوئاً للصفويين.
قادت الدولة العثمانية ضد الصفويين في هذا الوقت بالذات (بعد وفاة الشاه طهماسب) حملة دعائية كان العنصر الفعال فيها ابناء فارس(2)، وقد استغل العثمانيون الاتجاهات المعادية للصفويين، وحاولوا مُساندتها، فقد كانت منطقة (الحجاز) مركزاً للمعارضين السنيين والشيعيين على السواء، وكان الميرزا مخدوم الجرجاني (من التيار السُّني)(995/1589) قد جاء من ايران الى مكة لغرض نشر وثيقة الفضح السياسي والديني المسماة «بالنواقض لبنيان الروافض» والتي لم تقتصر على ذكر نواقض الحكم
__________________________________
(1) بعد ان غزت الدولة العثمانية (مصر) عام (923/1517) ضمّت (الحجاز) الى ممتلكاتها، كما ان (الاحساء) ايضاً اصبحت جزءاً من الدولة العثمانية حينما احتلت عام (963/1555) في عهد السلطان سليمان القانوني. ينظر: الشيخ، د. رأفت غنيمي، التوجه العثماني نحو الخليج العربي من خلال محمد علي، مجلة الوثيقة، العدد (16)، (الاردن، 1990م)، ص62. وكذلك: تاريخ العالم العربي، ص181.
(2) الجابري، حسين، الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية، ص268.

الصفوي، بل تعدته الى الطعن بالفكر الاثني عشري أيضاً(1).
وقد اعتقد الفقهاء الرافضون للسياسة الصفوية ان المثالب التي وجهها الميرزا مخدوم الى الفكر الاثني عشري كانت بسبب تطرف المجتهدين الذين خدموا الدولة الصفوية، مع علمهم، او غفلتهم عن نهي الأئمة من الدخول في خدمة الحكّام(2).
ومضافاً لما تقدم من إن الحركة الاخبارية كانت ردة فعل لتدخل المجتهدين بالسياسة، فان الاخباريين حاولوا الظهور بمظهر الحفاظ على الاصالة النظرية للمذهب الاثني عشرين وفقاً للنصوص الدينية الواردة عن الأئمة في الابتعاد عن السياسة وتبرير عمل الحاكم، وهم بذلك أرادوا تنزيه المذهب من الشُبهات التي لحقت به من جراء تدخل الفقهاء بالسياسة.
ومن جهة اخرى فان السلطة الصفوية استهدفت بدورها إضعاف مؤسسة الفقهاء داخل ايران، وإشغالها بتيارات تستهدف زعزعة كيانها الفكري. بمعنى آخر تحويل حالة القوة التي تتمتع بها المؤسسة الاجتهادية الى قوة دفاعية فقط أمام الهجمات العنيفة للأخباريين، والتي بدأت تشكك حتى في شرعية وجودهم.
ومن المحتمل جدّاً ان السياسة التي إنتهجها عباس الصفوي في علاقاته مع أوروبا، وانفتاحه على بريطانيا بشكل خاص ـ حتى أوكل امر تسليح الجيش الايراني الى ضابط انكليزي، واسند اليه واجبات قياته في المعارك مع العثمانيين(3) لا يمكن ان تتم دون اضعاف التيارات التي قد تقف امام سياساته المستقبلية.
وكان الشاه عباس يحرص على اجتماع القيادتين السياسية والدينية فيه لكي يكون مستقلاً بهاتين القوتين وهو بذلك كان يحافظ على قُدسية الشعائر المذهبية، حتى انه كان يقطع الأميال الطوال مشياً على قدميه لتأديه طقوس الزيارة لمرقد الامام علي بن موسى الرضا(ع)(4) الامام الثامن من الأئمة الاثني عشر الذي يقع بمدينة (مشهد) الايرانية، الأمر الذي يُسهم في إبقاء مظهر الزعامة المذهبية غير بعيد عنه.
***
ألفّ الاسترابادي كتاب «الفوائد المدنية» الذي يُعتبر كتاباً يُمثل التيار الاخباري بشكله الصريح، وقد أثار فيه تسألات عديدة حول المدرسة الاجتهادية محاولاً ان يبرهن على عدم أصالتها التشريعية عندما أضفى طابع الاصالة الى حركته بالرجوع الى المنابع الأولى المتمثلة بعصر الأئمة لتكتسب بذلك الشرعية الدينية(5)، وهو بذلك أثار الرأي الشيعي ضد علم الاصول مُستغلاً حداثة نشأة هذا العلم. بعد الغيبة الكبرى، ومعناه ان ربط الاستنباط بالقواعد الأصولية يؤدي الى الابتعاد عن النصوص
__________________________________
(1) الجابري، ص268.
(2) المصدر السابق، ص280.
(3) نوّار، ص76.
(4) المصدر السابق، 65.
(5) بحر العلوم، الدراسة وتاريخها في النجف، ص95.

التشريعية، والتقليل من أهميتها، ولم يكن ذلك مُتعارفاً عند الفقهاء من تلامذة الائمة إذ كانوا في غنىً عنه في مسائل الفُتيا، فاذا كان عهد الرواد الاوائل للمدرسة الفقهية على هذا الشكل، فلماذا يسعى المتأخرون الى التورط فيه؟!(1).
كما عمد الاسترابادي الى التأكيد على مفردات مثيرة للجدل، من ذلك تأكيده على ان علماء السنة سبقوا علماء الشيعة تأريخياً الى البحث الأصولي مما اكسبه اطاراً سُنياً، وبرهن على ان بعض فقهاء الاثني عشرية كابن الجُنيد(381/991) كان متفقاً في اجتهاداته مع الأحناف في الأخذ بالقياس، والعمل بالرأي.
كما أنكر دليل حُجية العقل إلا فيما كان له مبدأ حسيّ، أو مبدأ قريب من الحس كالرياضيات، فان العقل حجة فيها، وأما ما عدا ذلك فلا حجية للعقل فيه، لأن العقل قد يُخطىء، أما التمسك بكلام الأئمة المعصومين فهو يؤمن العصمة عن الخطأ(2).
وقد كشف الميرزا الاسترابادي في كتابه «الفوائد المدنية» عن نقده للمحقق الكركي الذي تُوفي عام(940هـ/1533) قبل ان يولد الاسترابادي بسنين طويلة، ونسب له اغلاطاً في إعادة تعيين القبلة، وانه قد «خرب المحاريب التي كانت في بلاد العجم زمن اصحاب الأئمة»(3).
ان أفكار الاسترابادي التي طرحها خلال «الفوائد المدنية» هي دعوة لأن يكون الفقيه الاثنا عشري وعاءً يمتلىء بالأحاديث التي يتناقلها عن الرسول والأئمة المعصومين فقط، ويُوعز الخونساري إلى ان منشأ تحول الاسترابادي إلى الاخبارية هو استاذه الميرزا محمد بن علي الاسترابادي(1028هـ/1618)(4) فقد كان مُقيماً في الحجاز يومذاك.
وذكرت بعض المصادر ان الاسترابادي بعد دراسته في (شيراز) رحل الى (الحجاز) لمتابعة دراسته على يد الميزرا محمد بن علي الاسترابادي الذي ـ قيل ـ انه أشار عليه بتأليف كتاب يتناول موضوع الصراع الاخباري ـ الأصولي بشكل مباشر(5). وبعد أكثر من عقدين من زمن تأليف «الفوائد المدنية» كان فقيه أصولي من فقهاء العرب العامليين وهو نور الدين علي العاملي(1068/1657) مجاوراً في «مكة» فردّ على كتابه بكتاب سمّاهُ «الشواهد المكية في دحض حجج الفوائد المدنية»(6) إلاّ ان كتاب العاملي لم يُطفىء لهب الأزمة، ولم يتمكن من السيطرة على التيار العام الاخباري الذي امتد في معظم المراكز العلمية الشيعية المتمركزة في ايران، والعراق، ومنطقة الحجاز، الأمر الذي أثر تأثيراً مباشراً على حركة الاجتهاد عند الاثني عشرية لكنه سجل سبقاً تأريخياً ضد تيار الاخباريين.
***
__________________________________
(1) بحر العلوم، محمد، الاخبارية واصولها، الورقة(10) (مخطوطة نسخة المؤلف)».
(2) الأمين، حسن، دائرة المعارف الاسلامية الشيعية، ج3، ص27.
(3) الفوائد المدنية، ص179.
(4) الخونساري، روضات الجنات، ج1، ص120.
(5) الخونساري، ج1، ص120.
(6) أعيان الشيعة، ج9، ص137.

ان الفوارق الرئيسية بين الاصوليين والاخباريين تركزت في مجال (المجتهد)، من جهة وفي (علم الحديث) من جهة الثانية. وبالرغم من ان بعض الكتاب حصرها في أربعين فرقاً(1)، إلاّ ان بعض علماء الاخبارية جعلها ثمانية فقط(2). أمّا أهم الفوارق فقط تمثلت فيما يلي:
1 ـ أوجب المجتهدون الاجتهاد، وذهب الاخباريون الى حرمته.
2 ـ حصر المجتهدون الرعية في صنفين: مجتهد ومُقلد لا ثالث لهما. اما الاخباريون فيرون ان الرعية كلها مقلدة للمعصوم، ولا يوجد مجتهد أصلاً.
3 ـ رفض الاخباريون فكرة تصنيف الاحاديث الى (صحيح، موثق، حسن، وضعيف) لأنّ الأحاديث عندهم صحيحة ومحفوظة بالقرائن الدالة على صحتها، وقد اعتبروا أحاديث «الكتب الاربعة» قطعية السند، موثوقة المصدر، وبذلك أعرضوا عن علم دراية الحديث. كما أوجبوا الأخذ بالرواية إما عن (المعصوم) مباشرة، أو من روى عنه، وان تعددت الوسائط(3).
من هنا فقد ظهرت نزعة الاهتمام بالحديث، وشروحه في هذه الفترة الزمنية، وقد مهد نشاط المدرسة الاخبارية الأجواء لظهور موسوعات حديثة أهمها:
كتاب «الوافي» الذي ألفه محمد محسن المعروف بالفيض الكاشاني(1091/1680)(4) كما قدم محمد بن الحسن الحر العاملي(1104/1693) كتابه «وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة» والذي اصبح مصدراً من مصادر الحديث(5).
وألّف محمد باقر المجلسي(1110/1698) كتاب بحار الانوار، وهو أكبر موسوعة اهتمت بجمع الحديث على الاطلاق(6).
وقد ساعد في تأليف هذه الكتب أيضاً اكتشاف الكثير من الأحاديث التي لم تكن مندرجة في الكتب الأربعة(7).
***
وفي خضم هذه الأزمة تنبّه بعض الفقهاء الى التآكل الذي أصاب هيكل المؤسسة فحاولوا ان يجدوا حلاً يمكنهم بواسطته تجنب الاصطدام بكلتا المدرستين. فبالرغم من استقرار محمد بن الحسن المعروف
__________________________________
(1) الخونساري، ج1، ص110، وكذلك يُنظر: ـ البحراني، يوسف، الكشكول، ج2 (بيروت، 1986)، ص386.
(2) بحر العلوم، الاجتهاد، ص175.
(3) يُراجع بهذا الصدد: الكركي، حسين، هداية الأبرار الى طريق الأئمة الاطهار، (النجف، 1977) تحقيق رؤوف جمال الدين، ص75، ص187. بحر العلوم، الاخبارية أُصولها وتطورها، ص14، نصر الله تاريخ كرك، ص117. وكذلك ينظر:
Mallat, chibli, The Renaissanece Of Islamic Law, PHD thesis P. 41 - 46.
(4) الوافي في شرح أصول الكافي (في مكتبتي نسخة مخطوطة ترجع الى عصر المؤلف)، وقد طبع الكتاب عدة طبعات في ايران والعراق.
(5) طُبع في(20) مجلداً في طهران، وأُعيدت طباعته في بيروت عام 1974م.
(6) طبع في(110) مجلدات في ايران، وأُعيد طبعه عام 1984م في بيروت.
(7) الصدر، المعالم الجديدة، ص83.

بالحر العاملي(1104/1693) في ايران، وتقلده مناصب مشيخة الاسلام، فقد كان منصرفاً الى مجال التعليم، والتأليف بعيداً عن تعاطي السياسة من خلال بلاط الشاه، أو من خلال المؤسسة الدينية الرسمية، ولم يتعاط السياسة من موقع آخر معارض، او رافض بل حافظ على مسافة تبعده عن السلطان دون الاصطدام به، وإذا اضطر الى الاقتراب منه لم يمنحه شرعية واضحة. لذلك كان دوره في زمن الغيبة منحصراً في نقل أخبار الأئمة، والتشبث بالأحكام التي تحملها أحاديثهم المروية عن ثقاة الرجال(1).
إن الحر العاملي تميز بنزعة عربية واضحة تشده الى وطنه وقومه، فقد كتب كتاباً في تراجم علماء بلاده أسماه «أمل الآمل في علماء جبل عامل» يُعدُّ أثراً نفسياً من الآثار التأريخية التي حفظت أسماء علماء الاثني عشرية في تلك الحقبة الزمنية، وقد قدّم تراجم علماء جبل عامل على غيرهم من علماء الاثني عشرية لاعتبارات عديدة تنم عن نزعة وطنية، وقومية(2)، حيث كتب مؤلفه هذا وهو على أرض ايران، وهو بذلك اراد ان يُثبت موقع علماء جبل عامل في انجازاتهم التي حققوها للتشيع من جهة، وخدماتهم الكبيرة للدولة الصفوية الايرانية من جهة ثانية. كما أراد ان يُبين بالتالي موقعه المتفرد بين علماء العجم، وانتمائه الى أُسرة جبل عامل التي ساهمت في تثبيت دعائم «المذهب» من خلال الجهود المتميزة التي حققها العلماء العامليون العرب على أرض لا يرتبطون بها إلا بواسطة مذهبية بحتة.
***
إن آخر مرحلة من مراحل الحركة الاخبارية هي الفترة التي مر بها في «مدرسة كربلاء» فقد ازدهرت هذه المدينة على يد الفقيه محمد باقر البهبهاني(1028/1793)، الذي كان ظهوره «إيذاناً ببدء التغير لصالح الاتجاه الاصولي، وقد حصل هذا الفقيه على لقب (مجدد) الفقه الاثني عشري(3)، لان عصره اصبح فاصلاً لعصر جديد من عصور مدرسة الاجتهاد أطلق عليه بعض الدارسين بـ«عصر الكمال العلمي»(4).
وقد أصبحت مدينة (كربلاء) العراقية في عصر البهبهاني عاصمة من العواصم العلمية التي ضاهت مراكز العلم الشيعية الأخرى، وبقيت محافظة على مركزها العلمي قرابة قرن من الزمن، وذلك بعد وفاة محمد شريف المازندراني عام(1245/1829) الذي قيل ان حُضار درسه كانوا يقاربون الألف طالب(5).
وقد كان سبب ازدهار هذه الحاضرة (كربلاء) بهذه النهضة العلمية المتميزة راجعاً الى التطورات
__________________________________
(1) كوثراني، الفقيه والسلطان، ص163.
(2) كوثراني، أيضاً، ص167.
(3) Kazemi A. The Establishment of the Postion ot Marja'iat al - Tagltd in the twelver shi'lCommun ity, Iranian studies,Vol X V111, No. 1. Winter 1985, P. 41.
(4) الصدر، المعالم الجديدة، ص88.
(5) مقدمة محمد رضا المظفر على كتاب جوهر الكلام في شرح شرائع الاسلام للشيخ محمد حسن النجفي، ج1 (بيروت، 1972)، ص9.

السياسية التي تلت سقوط الدولة الصفوية عام(1135/1722) على يد القبائل الأفغانية، فقد أوشكت ايران ان تتوزع بين جاراتها من العثمانيين الذين زحفوا على المناطق الغربية، والقوات الروسية جنوباً من جراء هذا الغزو(1).
وقد ظهر نادر شاه عام(1142/1729) كقائد استطاع توحيد البلاد بعد تحريرها عسكرياً من الخطر الغربي والجنوبي، إلا ان النفرة بين نادر شاه والمؤسسة الدينية ادت الى اتخاذ نادر شاه سلاح العنف ضد خصومه(2). وفي هذه الاجواء المضطربة هاجر البهبهاني الى العراق للتخلص من الاضطرابات التي عمت الحركة الدينية هناك، وقد اتخذ مدينة (كربلاء) مقرّاً له لسلامتها من (الوباء) الذي عم الأماكن المقدسة كالنجف ذلك الوقت(3) مضافاً الى ان هذه البلدة (كربلاء) كانت مركزاً لنشاط الحركة الاخبارية.
كان البهبهاني في بادىء نشأته إخبارياً نظراً لغلبة هذا التيار على البيئة الايرانية، وكان استاذه صدر الدين الكاظمي(1164/1750)(4) من العلماء الاصوليين، وبعد مناقشات بينهما تحول التلميذ (البهبهاني) أصولياً، والاستاذ إخبارياً(5).
ولعل البهبهاني من جراء ذلك خبر التيار الاخباري، وتمكن منه، وحينما نضجت مداركه لمس خطورة هذا التوجه، فاستعد لمجابهته بكل ما يملك من إمكانات على صعيد البحث النظري، او العملي من ممارسة الفتيا ضد أقطاب هذا التيار بحرمة الاقتداء بهم في ممارسة الشعائر الدينية العبادية(6).
__________________________________
(1) الدجيلي، حسن، الفقهاء حُكّام على الملوك، ص57.
(2) حاول نادر شاه تقليص نفوذ المؤسسة الدينية باقامة مؤتمر في مدينة (النجف) بالعراق متواطئاً مع العثمانيين بحجة القضاء على الفوارق المذهبية بين (الشيعة) و(السنة). وقد حشد أكثر من ثمانين شخصية روحانية شيعية، في حين رصد العثمانيون مجموعة كبيرة من العلماء السنة. وانتهى المؤتمر قرارات منها:
1 ـ قبول المذهب الجعفري من قبل السنة، وقبول المذهب السني من قبل الجعفرية (الشيعة).
2 ـ جعل المذهب الاثني عشري مذهباً خامساً، والاعتراف به رسمياً، وممارسة العبادات بشكل علني في (الحج)، وتأديه الصلاة.
3 ـ تعيين أمير للحاج الايراني.
4 ـ اطلاق سراح الاسرى من الجانبين الايراني والعراقي. (الوردي، ج1 ص123). وكان نادر شاه يهدف من ذلك توسيع مجال نفوذ المؤسسة الدينية الشيعية الايرانية. والملاحظ ان اغلب الاسماء الشيعية التي استقدمها نادر شاه لم تكن معروفة في الوسط الشيعي نفسه. وقد قاطع الفقهاء الدينيون في النجف، وفي ايران المؤتمر لعلمهم أنه ورقة سياسية لا يكتب لها البقاء الطويل. وقد اغتيل نادر شاه عام(1160/1747)، أي بعد أربع سنوات مضت على اقامة المؤتمر. يُراجع بهذا الشأن:
السويدي عبد الله، الحجج القطعية لاتفاق الفرق الاسلامية (القاهرة، 1906)، وطبع ثانية(1948م) بعنوان (مؤتمر النجف) بتقديم مّحب الدين الخطيب. وينظر ايضاً، نوّار، عبد العزيز، الشعوب الاسلامية، (بيروت، 1973)، ص312 ـ 322.
(3) بحر العلوم، الدراسة، ص72.
(4) أعيان الشيعة، ج7، ص386.
(5) القزويني، مهدي، الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد، الورقة(51) ـ (مخطوط).
(6) الخونساري، ج4، ص402.

وقد انصبت جهوده على محورين:
الأول: تربية نخبة من الفقهاء الأصوليين يُحافظون على خط الزعامة الدينية بعده. وقد نجح في إعداد هذه النخبة نجاحاً باهراً حيث حمل تلامذته لواء الزعامة الفكرية والسياسية بعده، وكان على رأس هؤلاء الفقهاء الشيخ جعفر النجفي الملقب بـ«كاشف الغطاء» ت(1228هـ/1813).
الثاني: تصديه لشنّ حملة عنيفة على الاتجاه الاخباري بنقده اللاذاع لأهم شبهاته، وذلك ضمن كتابه «الفوائد الحائرية»(1). وبالرغم من وجود فقيه اخباري معتدل هو الشيخ يوسف البحراني(1186/1772) في مدينة كربلاء أيضاً، إلا ان البهبهاني كان يقف ضده بشدة. وكان بعض تلامذته والمقربين له يحضرون دروس البحراني في الفقه سرّاً(2)، ولعل الصلة الوثيقة بين هؤلاء الطلاب الأصوليين، والفقيه الاخباري هي  التي جعلت البحراني يقف متوازناً بين الاتجاهين، وينتهي بنقد محمد أمين الاسترابادي نقداً شديداً نسبه فيه الى «الفساد»(3).
من هنا توصل البحراني الى ان الاختلاف بين الفرقتين يهدف الى اضعاف التشيع وان وراء هذا التوجه أهدافاً سياسية محددة. وقد صرّح في مقدمة كتاب «الحدائق الناضرة» إلى أنه كان من دُعاة المذهب الاخباري المتعصبين، لكنه اكتشف ان الصراع بين الفريقين يولد (القدح في علماء الطرفين)(4)، كما ان الاختلاف تركز على فروع فقهية «لا تثمر فرقاً في المقام» إلاّ انها أشبه ما تكون بستار لضرب المذهب الاثني عشري بالصميم.
وحاول ان يجعل كلا الاتجاهين يسيران مع بعضهما الآخر لأنهما مُتلازمان لا يمكن التفريق بينهما، وقد ساق مثالاً على وجود الاتجاهين السلفي والعقلي في العصر الأول دون ان يرتفع بين فقهاء ذلك الوقت مثل هذا الاختلاف(5).
وهذه الشهادة من عالم إخباري كبير تدلُّ على ان التيار الاخباري أخذ بالانسحار، والضمور، وبذلك فقد نجح البهبهاني في ايقاف هذا التيار نجاحاً كاملاً بعد العاصفة التي فرطت عقده قرابة القرنين من الزمن، وبذلك بدأت مدرسة الاجتهاد تتضح على يد تلامذته من الفقهاء بصورة أكثر فاعلية. وقد اتخذ تلامذته امثال مهدي بحر العلوم(1212/1797)، وكاشف الغطاء مدينة (النجف) مركزاً دراسياً مستقلاً، وبذلك شهد تاريخ الاجتهاد تأسيس مدرسة عُرفت بمدرسة النجف.
ويعود انتصار البهبهاني على الاخباريين الى ان التيار الاخباري قد استنفد أغراضهُ العلمية، فقد أشبعت الحاجة الى وضع موسوعات حديثة جديدة، ولم يبق إلا الاستفادة منها في عمليات الاستنباط(6).
__________________________________
(1) بحر العلوم، الاخبارية اُصولها وتطورها، ص9.
(2) روضات الجنات، ج4، ص402.
(3) البحراني، لؤلؤة البحرين، ص118.
(4) البحراني، الحدائق الناضرة، ج1، ص167. وقد طبع الكتاب ضمن(20) مجلداً.
(5) البحراني، ن. م، ص167.
(6) الصدر، المعالم الجديدة، ص85.

كما ان شُبهات الاخباريين أخذت تلاشى بمرور الزمن، فلم يعد إلغاء وظيفة المجتهد، او النظر الى الاجتهاد على انه بدعة تسربت الى المذهب الاثني عشري قضية تستوحب النقض بعدما ثبت استمرار خط الاجتهاد عملياً. كما ان (الاجتهاد) برهن على انه ليس وعاءً ناقلاً للأحاديث فحسب، وانما هو مستفيد منها في عملية استنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وإعمال الملكة.
من هنا فقد اتخذ التيار السلفي المتمثل بالحركة الاخبارية وجهاً آخر للمواجهة، وقد تمثل ذلك بتيار (الشيخية) نسبة الى الشيخ أحمد الاحسائي(1241/1825)، ثم تبلور على يد تلميذه كاظم الرشتي(1259/1843)، وصار يُسمّى (بالرشتية)، وذلك بعد كسر شوكة الحركة الاخبارية التي انتهت بمقتل الميرزا محمد الاخباري سنة(1232/1816).
وقد بدأ الاتجاه «الرشتي» ينحو منحىً من التعقيد الفكري يتلاءم والمرحلة السائدة ذلك الوقت، وقد لُقب اصحاب هذا الاتجاه «بالكشفية» نسبة الى الكشف والالهام الذي يدعيه اصحاب هذه الطريقة، وهي طريقة «مبناها على التعمق في ظواهر الشريعة، وإدعاء الكشف كما إدعاه جماعة من مشايخ الصوفية وهولوا به، وتكلموا بكلمات مُبهمة، وشطحوا شطحات خارجة عما يعرفه الناس ويفهمونه»(1).
الحركة الاخبارية تستردُّ وجودها
بدأت الحركة الاخبارية تستعيد نشاطها من جديد على يد الميرزا محمد بن عبد النبي النيسابوري الاخباري المقتول عام(1232/1816)، فقد كان هذا الداعية القوي قد وقف أمام المدرسة الأصولية المتمثلة بالبهبهاني، وتلامذته في مدينة (كربلاء). وقد حاول جعفر كاشف الغطاء تحريض القبائل العربية تجاهه بعدما أفتى بانحرافه عن طريقة الاثني عشرية، وتصديه لمحاربة هذه المؤسسة(2)، إلا ان الميرزا الاخباري كان قد استحكم في هذه المدينة مع اتباعه بحيث صعب على الفقهاء إدراك هدفهم في التخلص منه باستخدام القوة.
ولأكثر من سبب هاجر الميرزا الاخباري الى ايران ليجد في دعوته هناك بعدما حصل على دعم من الشاه فتح علي القاجاري(1250/1834)، وتقرب منه. وكان هذا الشاه في الوقت نفسه ذا صلة بمؤسسة الفقهاء خصوصاً مع الزعيم جعفر كاشف الغطاء، وكان يحاول الإبقاء على علاقة متوازنة بين الطرفين.
إن علاقة الشاه بالميرزا الاخباري ربما توطدت بعدما استطاع الميرزا محمد الاخباري ان يتنبأ بمقتل جنرال روسي في الحرب الدائرة بين ايران وروسيا ـ آنذاك ـ من خلال ما يمتع به من قوى روحية غريبة. وقد صدقت هذه النبوءة حيث جيء برأس الجنرال محمولاً الى طهران، ووضع أمام الشاه(3).
__________________________________
(1) أعيان الشيعة، ج2، ص589.
(2) العبقات، الورقة(28) ـ مخطوط.
(3) الدجيلي، الفقهاء حكام الملوك، ص69.

وكانت هذه الحادثة مدعاة لدعم الميرزا محمد في ايران، مما دعا الشيخ جعفر كاشف الغطاء ان يسافر الى ايران لغرض التصدي لنشاطه الجديد من خلال مناظرات مفتوحة بينهما فى مجلس الشاه نفسه. وفعلاً فقد سجل كاشف الغطاء مناظرةً طويلة بين قطبي الصراع الاصولي والاخباري، وانتصر بحماس الى ما حققه كاشف الغطاء من نصر في دحر الفكر الاخباري هناك(1).
وقد اعتقد بعض الباحثين ان الايرانيين كانوا إخباريين قبل وصول جعفر كاشف الغطاء الى بلادهم، لكنه نجح في تحويلهم الى اصوليين خلال متابعته الميرزا محمد هناك(2). إلا ان هذا الرأي وإن لم يثبت عملياً، إلا انه يكشف عن الشهرة التي احتلها الميرزا الاخباري في ايران، ودعم السلطة السياسية له.
وقد تصاعدت حدة الصراع بين الميرزا الاخباري وكاشف الغطاء حيث وضع الأخير كتاباً ضدهُ قدمه الى الشاه فتح علي سماه «كاشف الغطاء عن معائب الميرزا محمد عدو العلماء»، كما رد عليه الميرزا محمد بكتاب سماه «الصيحة بالحق على من ألحد وتزندق»(3)، وقد بلغ النزاع بين هذين الرجلين الى حد التنابز بالألقاب، وتبادل الشتائم بينهما(4).
إلا ان هذه الفترة لم تُسجل أحداثاً اُخرى إلا بعد وفاة الشيخ كاشف الغطاء، وتزعم ولده موسى زعامة الاثني عشرية حيث أراد التعرف على مدى صلة الشاه فتح علي بالميرزا الاخباري، فكتب له رسالة حذره في آخرها من صلته بالميرزا الاخباري، وعند جواب الشاه عليه أكد من جانبه ان صلته بالميرزا محمد الاخباري طيبة، وعبر عنه بقوله «نستفيض منه، ونستعين به»(5).
إلا ان الميرزا محمد الاخباري لم يستقر في ايران بعد هذه الفترة لوجود معارضة له كان من واجهتها تهديد الايرانيين له، وإفتاء المُفتي بقتله(6) وقد توجه الى العراق، وأقام في مدينة بغداد (الكاظمية)(7)، ويبدو ان هذه الهجرة خضعت الى مباركة الوالي العثماني الذي اتجه لتأييد هذا التيار المناوىء للأصوليين من خلال صلته بالميرزا الاخباري(8).
وقد ذكر باحث مُطلع ان الميرزا الاخباري قام بنشاط فعال ضد الفقهاء في العراق مما جعل موسى كاشف الغطاء يهاجر من النجف الى بغداد (الكاظمية) لغرض معالجة الموقف، وبعد اتفاق جملة من الفقهاء على إصدار فتوى تُبيح قتل الميرزا محمد، قُتل هذا الداعية الجرىء عام(1232/1816) بعد
__________________________________
(1) العبقات، الورقة(39) ـ مخطوط.
(2) الجابري، الفكر السلفي، ص400. وكذلك: شبر، حسن، التحرك الاسلامي، ص48.
(3) الخونساري، ج2، ص202.
(4) الوردي، لمحات اجتماعية، ج3، ص78.
(5) أثبت نص الرسالتين محمد حسين كاشف الغطاء في (العبقات العنبرية)، ص19 (مخطوط).
(6) حرز الدين، معارف الرجال، ج2، ص336.
(7) اعتقد بعض الباحثين ان الميرزا محمد الاخباري ترك ايران مُتجهاً الى العراق بتأثير من الشيخ جعفر كاشف الغطاء (الفكر السلفي، ص400)، إلا ان الحقيقة تشير الى ان الميرزا الاخباري لم يترك ايران إلا بعد بضع سنين من وفاة الشيخ جعفر كاشف الغطاء. العبقات العنبرية، الورقة(43) ـ (مخطوط).
(8) العبقات العنبرية، الورقة(99) ـ (مخطوط).

إحراق داره قتلةً مأساوية(1).
إن مقتل الميرزا محمد في الكاظمية كان الحادث الثاني الذي يتعرض له داعية سلفي بعد مقتل الشيخ حسين آل عصفور في البحرين عام(1216/1801)(2)، وبذلك فقد كانت حملة مارسها الأصوليون ضد خصومهم للتخلص من الخطر المتوقع عليهم. وكان هذا الاسلوب كافياً لانحسار الفكر السلفي، وتمركز القيادة الفكرية في النجف، بعدما انسحب الفكر السلفي الى مواقع خلفية بعيدة في (البحرين)، ومناطق العراق الجنوبية القصّية، وبعض مناطق ايران(55)، وذلك بعد أكثر من نصف قرن حيث تزعم أحفاد الميرزا محمد الاخباري الحركة من جديد متخذين قرية (المؤمنين) في جنوب العراق مركزاً لنشاطهم. وقد سعى ميرزا عناية الله(1371/1951) الى تنظيم الدراسة العلمية في قرية (المؤمنين) حيث جعلها على غرار (النجف)، كما أسس مسجداً كبيراً عاماً عام(1324/1906)، ومكتبةً، ومضيفاً وتوسعت هذه المدرسة في الفترة(1324/1906)(1345/1926) باستقطاب الدارسين من مناطق عراقية مختلفة(3). وبالرغم من انتشار أفراد هذه الاسرة (التي عُرفت فيما بعد باسم اسرة آل جمال الدين) في البصرة، والكويت، ومناطق أخرى، إلاّ ان موجة المد الاخباري تضاءلت، وبقيت مقتصرةً على أفراد متحمسين من أحفاد الميرزا محمد الاخباري.
إن ردة الفعل التي تلقتها اسرة آل جمال الدين بسبب مقتل الميرزا محمد الاخباري، والضغوط التي مارسها المجتهدون أفضت بهم الى إنكار الاجتهاد، والتقليد، في حين ان الاخباريين الذين تمركزا في البحرين كانوا معتدلين في نظرتهم الى الاجتهاد والتقليد، وقائلين بهما(4). ويعزو مصطفى جمال الدين الصراع الأصولي ـ الاخباري الى انه لم يكن صراعأً عقائدياً صريحاً بمقدار ما كان صراعاً هدفه التسلّط، وطلب الزعامة الدينية(5).

ظهور الحركة الشيخيّة
ظهرت في مدينة (كربلاء) شخصية كاظم الرشتي(1259/1843) الذي كان تلميذاً للشيخ أحمد الأحسائي(1242/1826) كزعيم استقطب تياراً جديداً حاول ان يظهر بشكل منفصل عن الجسم الاثني عشري، وذلك من خلال تقديمه لنصوص في بعض ظواهر الدين لا يقبلها العقل، فتحتاج الى التأويل والتفسير(6). وكان الشيخ أحمد الاحسائي فيلسوفاً إشراقياً، وعالماً إخبارياً، وقد اخترع لنفسه اصطلاحات خاصة لبعض الكلمات، وصار يُطابق بين الفلسفة الاشراقية، وبين أحاديث
__________________________________
(1) الخونساري، ج2، ص129. والعبقات، الورقة(99) ـ (مخطوط).
(2) الجابري ـ الفكر السلفي، ص401.
(3) أيضاً، ص425.
(4) الفضلي، د. عبد الهادي، في ذكرى أبي، الورقة(83) (نسخة مُصورة بقلم المؤلف) ـ (مخطوط).
(5) لقاء مع الدكتور مصطفى جمال الدين، لندن، صف عام 1988.
(6) الحسني7 عبد الرزاق، العراق قديماً وحديثاً، (صيدا 1956م)، ص79.

الأئمة(1)، إلاّ ان آراءه الغريبة لم تظهر على لسانه، بل استظهر بعض الباحثين انها نُسبت إليه بعد وفاته(2)، إلا ان فرقة (الشيخية) التي نسبت نفسها إليه ظهرت بسلطة كاظم الرشتي الذي خلق صراعاً مع درسة النجف من نوع جديد يختلف عن الصراع الذي واجهته هذه المدرسة مع الاخباريين. فقد كان الصراع مع الاخباريين يتركز بالجدل على شرعية وجود المجتهد وعدمه، اما الصراع (الشيخي) الجديد فقد ركن الى جانب آخر يعتمد على الغلو في مراتب الأئمة المعصومين، الأمر الذي أبعدهم عن واقع الفكر الاثني عشري، وقربهم الى الفكر الاسماعيلي، والاعتقاد الصوفي(3). وكان مستند الشيخية في ذلك الاعتماد على الروايات الاسماعيلية التي تسربت في مدونات الحديث االثنى عشرية والتي تضمنتها اُمهات الكتب الحديثية كالكافي، وبحار الأنوار، وغيرهما(4).
وقد واجه فقهاء النجف مُشكلة جديدة داخل الكيان الشيعي نفسه حيث شمرّوا عن ساعد الجد لمواجهتها مواجهةً حقيقية، وكانت زعامة الامامية قد انتهت الى علي كاشف الغطاء(1253/1837). وقد حاول هذا الفقيه مع فقهاء آخرين ان يتصدوا لحسر الفكر الشيخي عن الأوساط الشيعية.
وكان كاظم الرشتي قد جاهر بآرائه التي اعتبرها علماء النجف آراء شاذة عن التفكير العقائدي الاثني عشري. وقد حملت هذه النتجية كبار المجتهدين على استصدار (فتوى) ضده(5). ونقل لي السيد حميد القزويني(1400/1980) انّ الفقيه مهدي القزويني(1300/1882) تلميذ علي كاشف الغطاء كان قد اجتمع مع كاظم الرشتي، واستقصى آراءه بالمناقشة، لكنه لم يقتنع بالتخلي عن وجهات نظره، إلا ان قناعة القزويني كانت قائمة على معالجة الاختلاف بطريقة سلمية بعيدة عمّا ذهب إليه مجتهدو النجف باستصدار فتوى تُجهيز استعمال العنف ضده، الأمر الذي جعله يسعى لاقناع استاذه علي كاشف الغطاء بالعدول عن رأيه. وبالفعل فقد اقتنع هذا الفقيه بذلك(6)، ربما خوفاً من العواقب الناجمة من قتل الرشتي، أو أيجاد أهمية استثنائية له في حالة الاعتداء على شخصيته بالقتل. فقد كان الرشتي «مسموع الكلمة عند اتباعه، وله تبع يقولون فيه أقاويلاً عظاماً، وتُنسب له بعض، الخصال الممدوحة...»(7)، وكان جواب علي كاشف الغطاء عندما سُئل بمحضر الرشتي، وجماعة من المجتهدين في مناظرة جرت بينهم ان: «حفظ النفوس في شرعنا من أعظم المهمات»(8) رداً على الجهات التي تطمع بالتخلص من هذا الداعية المتحمس(9).
__________________________________
(1) الحسني، ص79.
(2) العبقات العنبرية، الورقة (37) ـ (مخطوط).
(3) الفضلي، الورقة (94) ـ (مخطوط).
(4) الفضلي، الورقة (93) ـ (مخطوط).
(5) العبقات، الورقة (67) ـ (مخطوط).
(6) نقل لي ذلك المرحوم السيد حميد القزويني عام(1395هـ/1975م).
(7) العبقات العنبرية، ج2، ص73 (مخطوط).
(8) العبقات، الورقة (67)، (مخطوط).
(9) حاولت بعض الجهات الدينية ان تنسب للفقيه مهدي القزويني انتماءه للكشفية نظراً لموقفه السلمي من الرشتي، وهذه التهمة بحد ذاتها تهدف الى الحيلولة دون وصوله الى الزعامة الدينية التي يتنافس عليها مجتهدون كبار، وقد ذكر محمد حرز الدين ان القزويني قُبيل وفاته قال «أبرأت ذمة كل من ظلمني إلا من رماني بالكشفية». (معارف الرجال، ج3، ص113).

وقد امتدت زعامة القزويني في الوسط العراقي العربي في بادىء أمرها، لكنها اصبحت شبه مُطلقة بعد وفاة الانصاري عام(1281/1864) حيث رجع اليه عموم الشيعة فى ايران، والعراق، وطُبعت رسالته العملية الفقهية في تبريز عام(1297/1879).

أما حسن ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء(1262/1845) ـ وهو من أهم المعاصرين للرشتي ـ فقد عبر عن الرشتي بأنه: «مُفضل لا ضال، وغايته تحصيل القليل من حُطام العيش، وذلك لعدم قابليته لتحصيل العلوم الدينية»(1)، كما ذكر ان الاسلوب الذي تبعه الرشتي في دعوته يقتصر على التوصل الى العوام باشياء في حق أئمتهم مما يُدخلهم في المغالين، وعوام الشيعة من فرط حُبهم لأهل البيت يقبلون كل ما قيل، ويقال فيهم، فصار ذلك شركاً، وفخاً لأمر معاشهم، ورئاستهم(2).
وقد أكد حسن كاشف الغطاء ان هذه الطرق خارجة عن البنية الشيعية، وذكر«ان السلف الصالح من أصحاب الأئمة، وحواريهم، والعلماء من عهد الكليني الى الآن لم يتركوا شيئاً إلا ذكروه، والى أئمتهم أسندوه، فالسعيد من نهج منهجهم، واقتفى اثرهم، ورفض الشاذ النادر، ولم يحتفل به»(3).
ومن طريف ما جاء به هذا الفقيه انه اختار نصّاً عن كتاب الرشتي ينطوي على كلمات في تعريف (الروح) ثم علق هذا النص بقوله: «اُقسم اني لم أفهم من هذا الكلام شيئاً»، وكأنه اراد الاشارة الى ان هذا المنحى من التأليف هو مُجرد زُخرف لايهام السامع بالألفاظ والمصطلحات(4).
ولم تعل للرتشي رايةً حتى وفاته عام(1259/1834) حيث ترك فراغُهُ متسعاً لتطور حركته الى أكثرمن اتجاه، كانت تقف وراءه ُقوى متباينة. وبالرغم من تولي ولده احمد الرشتي المقتول عام(1295/1878)(5) رئاسة (الفرقة) بعده، إلا ان فرقاً اُخرى كان لها تأثير كبير في استمرار هذا التوجه. فقد انقسمت الشيخية بعد كاظم الرشتي على اساس من تحديد الطرق الموصل الى الامام المعصوم، وتلقي المعلومات عنه إلى:
1 ـ الشيخية الركنيّة: وهم أتباع كريم خان القاجاري(1288/1871) وقالوا ان الركن الرابع (وهو المرجع الديني النائب عن الامام) يلتقي بالامام الغائب بشكل مباشر، ويتلقى عنه المعلومات المطلوبة. من هنا سُمّوا (الركنية).
2 ـ الشيخية الكشفية: وهم أتباع الميرزا محمد باقر الاسكوئي(1301/1883)، وقالوا ان اللقاء بين المرجع الديني (النائب عن الامام)، والامام يتم عن طريق الكشف، لذا سُمّوا بـ(الكشفية).
3 ـ أما الفرقة الاخرى فقد بقيت تبحث عن الامام الغائب، وعلى رأسها المُلاّ حسين البشروئي،
__________________________________
(1) العبقات، الورقة (65)، (مخطوط).
(2) المصدر السابق، ص67، (مخطوط).
(3) العبقات، ص67، (مخطوط).
(4) النص منقول في العبقات العنبرية، ج2، ص67 ـ 68.
(5) شُبر، جواد، أدب الطف، ج7، ص25.

وهو الذي عثر عليه في شخص السيد علي محمد الباب (الذي تنسب اليه فرقة البابية ثم البهائية)، ويقال ان الرشتي هو الذي لقبه بهذه «الكنية». وقد تنبه الدكتور الفضلي الى ان هذا اللقب هو لقب الدليل الأول في سلسلة الأولاد الاسماعيليين الذين هم أصحاب المراتب في الدعوة الاسماعيلية (الباب، الحُجة، الداعي بالحق...)(1).
ويلاحظ ان الشيخية انتقلت من العراق (كربلاء) الى ايران بجهود أحد أبناء الاسرة الحاكمة (اسرة آل قاجار) وهو كريم خان، وأصبحت (كرمان) المركز العلمي والديني للشيخية الركنية، ثم انتشرت بالبصرة في صفوف (الاحسائيين) بالخصوص، وانتقلت الى (الكويت) أيضاً.
كما انتقلت أيضاً من (كربلاء) على يد حسن كوهر(1261/1845)، والميرزا شفيع التبريزي(1301/1883)، واستقرت في (اسكوء) بايران عن طريق الميرزا محمد باقر بن محمد سليم التبريزي(1301/1883)، وعلى يديه تمّ وجود الشيخية (الكشفية)، كما تركزت هذه الدعوة في اسرته(2).
وبالرغم من الدعم الذي حظي به هذا التوجه إلا ان نشاط الفقهاء الأصوليين سبب حسر المدّ الشيخي، وانكماشه بمناطق محدودة في (البحرين، الكويت، الاحساء) الاّ ان هذه (الفرقة) استعادت مركزيتها المحدودة في (الكويت) على يد زعيمها الشيخ حسن الاحقاقي الاسكوئي الحائري (البالغ من العمر الآن 94 عاماً).

الخلاصة
1 ـ ان نشوء الحركة الاخبارية كان إفرازاً للصراع بين المؤسسة الدينية من جهة، والسلطة الصفوية من جهة ثانية. والسياق التأريخي يُشير الى ان الشاه عباس الصفوي كان مستفيداً في دم هذه الحركة لاضعاف نفوذ الفقهاء السياسيين، والمؤسسات التي بُنيت على أكتافهم منذ عهد المحقق الكركي المتوفي 940هـ.
2 ـ ازدهار الحركة الاخبارية بعد قرنين من نشوئها على يد الميرزا محمد الاخباري كان بسبب ازدهار مدرسة النجف الأصولية، وتحقيقها مكاسب مهمة على الصعيد السياسي، وذلك بالتوسط بين الدولتين القاجارية والعثمانية في إبرام معاهدة صلح على يد الفقيه موسى كاشف الغطاء الملقب «بالمصلح بين الدولتين». ومقتل الميرزا محمد الاخباري كان من مطامح القاجاريين والعثمانيين ـ في آن واحد ـ للحد من «هيبة» الفقهاء، وحسر انتصار المؤسسة الدينية الأصولية.
3 ـ ظهور الحركة «الرشتية» يُعتبر إمتداداً للخط السلفي الاخباري بعد فقدان الحركة الاخبارية مقومات مواجهتها مع المدرسة الأصولية. وقد تشكلّت الحركة «الرشتية» على أساس فكري خليط من موروثات إمامية ـ اسماعيلية مشتركة تكون في النهاية خطّاً موازياً للخط الاثني عشري الأصولي.
__________________________________
(1) الفضلي، الورقة(90) ـ (مخطوط).
(2) المصدر السابق، الورقة(90).
http://www.moujtaba.com/alfakih/alfikr/feker1/9.htm

Comments

Popular posts from this blog

Recording of the Qur’an

Table of Contents
Introduction
Name of the Qur’an
The story of Verse 95 from Surah 4
Conflict of the Well of Maᶜuna [بئر معونة]
Sermon of the pool of khumm (Khutbatul Ghadir)
Calamity of Thursday Raziatul Khamīs (11 A.H)
The compilation of the Qur’an
Were the seven aḥruf a seven dialects?
The forgotten Surah
Conclusion
Bibliography


Introduction
The recording of the Qur’an is one of the most controversial topics among those which deal with the history and background of the Qur’an. Many Western scholars such as Wansbrough, Schacht and Jeffery have debated it. In this paper I discuss the stages of recording of the Qur’an, the different aḥruf Arabic dialects and towards the end I investigating the reasons behind the different qira’at, finally drawing some conclusions.

Name of the Qur’an
Most popular opinion has it that the word ‘Qur’an’ comes from qara’a, meanings to read or recite and Qur’an is the verbal noun of qara’a , (وقرأ الكتاب قراءة، قرآنا - بالضم). However, one of the definitions …

كيف فهم الصحابة التوحيد

الصحابة جاءوا من مختلف العقائد والأديان مثل عبد الله بن السلام أحد شباب اليهود وسلمان الفارسي وورقة بن نوفل وتميم الداري النصراني والنجاشي وعدي بن ابي حاتم الطائي وبلال الحبشي ومن العرب مثل عمر بن الخطاب وأبي سفيان لكننا لم نسمع شيئا أو نرى أثرا صحيحا يدل على أن حوارا دار بينهم وبين الرسول حول عقيدة التوحيد وماذا كانوا يعتقدون في الله. ويبدو لي ان جهود الرسول (ص) الحقيقية كانت تدور حول إتمام مكارم أخلاق العرب كما قال "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (الأدب المفرد للبخاري). فمن أين إذا جاءت عقيدة هذه الفرق الإسلامية التي تكفر بعضها البعض بحجة ان دين الإسلام هو دين التوحيد؟
ولو عملنا مقارنة بسيطة بين أسئلة الصحابة للرسول وبين أسئلة المسلمين بعد قرنين من وفاة الرسول، لوجدت الفرق الشاسع بينهما وللمسنا بان المسلمين فيما بعد أسئلتهم أكثر تعقيدا من الصحابة لأن التعاليم القديمة كانت تصب في إتباع شخص الرسول وأنه الناطق الوحيد بإسم الله على الأرض.

هذه صورة من فلم الرسالة التي تمثل بحمزة عم النبي الذي كان أحد قواد جيش المسلمين في معركة بدر
أهي الإبراهيمية الحنيفية؟
لكنهم لم يك…